وتوضح مجموعة ثانية من البحوث الجانب الآخر لتزايد القوة السوقية للشركات، وهو تزايد ضعف مركز العمالة التفاوضي. فمنذ عام 1980، انخفضت حصة العمل في الاقتصاد الأمريكي بحوالي 5 نقاط مئوية. وكان الهبوط أسرع في الصناعات التي شهدت ازدياد التركز، حيث حققت الشركات المرموقة الكبيرة مثل: غوغل، أبل، أمازون، وولمارت، أكبر قدر من النمو - وفقا للمعلومات الموثقة في دراسة ديفيد أوتور من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وشركائه في العمل البحثي.
ثالثا، هناك تراجع مطرد في إعادة توزيع الموارد بين منشآت الأعمال منذ ثمانينات القرن الماضي، وفقا لما يتضح في سلسلة من الدراسات التي أعدها جون هالتيوانغر وباحثون آخرون. وهذا يعني أن عملية انتقال العمالة من منشآت الأعمال المتراجعة إلى المؤسسات المتوسعة ليست بنفس السلاسة والديناميكية التي كانت عليها من قبل.
وتتسق هذه الأنماط مع وجهة النظر بتراجع عملية الهدم الخلاق وانخفاض ديناميكية الأعمال ونمو الإنتاجية الكلية نتيجة لذلك. فإذا واجهت منشآت الأعمال القائمة منافسة أقل من الداخلين الجدد ستكون أمامها فرصة أسهل لبناء مركز مهيمن في السوق. وسوف يتيح لها ذلك زيادة نسبة أرباحها المضافة إلى التكلفة، وهامش أرباحها، و(في نهاية المطاف) تقييم الشركات. ونظرا لأن ارتفاع الأرباح يخفض حصة الناتج المدفوعة للعمالة، فسوف يترتب على ذلك حدوث انكماش في حصة العمل في الاقتصاد، وخاصة في الصناعات الأكثر تركزا.
الأسباب الأساسية
حتى لو اقتنع المرء بأن تباطؤ الإنتاجية والتراجع في ديناميكية الأعمال مدفوعان بانخفاض وتيرة الهدم الخلاق، فإن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هو لماذا؟ والإجابة عن هذا السؤال تشكل أهمية خاصة بالنسبة لصناع السياسات الذين يبحثون عن إشارات تفيد بما يمكنهم فعله لتحويل مسار هذه الاتجاهات العامة.
وفي هذا الشأن نظر الباحثون في أربعة تفسيرات عامة:
- بدء عصر تكنولوجيا المعلومات وما ترتب عليه من وفورات الحجم
- التغيرات في عملية نشر المعرفة
- الخصائص الديمغرافية وتراجع النمو السكاني
- التغيرات في السياسات، مثل التكاليف التنظيمية لدخول الأعمال الجديدة أو الحوافز الضريبية للبحوث والتطوير
ورغم أن هذه التفسيرات ليست أحداثا متعاقبة الوقوع - والأرجح أنها جميعا لها أهميتها النسبية في الواقع العملي - فمن المفيد مناقشتها بصفة مستقلة.
تكنولوجيا المعلومات ووفورات الحجم: في سياق مناقشة ديناميكية الإنتاجية في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، فإن بدء عصر تكنولوجيا المعلومات هو الحدث الكبير الذي يتحاشى الجميع مناقشته. فهل من الممكن أن يكون توافر مثل هذه التكنولوجيات قد تسبب في تراجع الديناميكية وفي طبيعة نمو الإنتاجية التي اتسمت بدورات الانتعاش والكساد؟ وتذهب دراستان صدرتا مؤخرا إلى أن الإجابة هي "نعم" وأن وفورات الحجم لها دور مهم في هذا الشأن. وتفترض دراسة الاقتصادي الفرنسي "فيليب أغيون" وزملائه البحثيين (2003) أن تكنولوجيا المعلومات المتقدمة تسهل الأمر على منشآت الأعمال لتكثيف عملياتها عبر العديد من أسواق المنتجات. وتذهب دراسة الاقتصادي مارتن دي ريدر من كلية لندن لعلوم الاقتصاد (2024) إلى أن تكنولوجيا المعلومات تسمح للمؤسسات بخفض التكلفة الحدية لإنتاجها على حساب زيادة التكلفة الثابتة.
والعامل المشترك في هذين التفسيرين هو أن اعتماد مثل هذه التكنولوجيات يشكل قيمة عالية على وجه الخصوص للشركات ذات الإنتاجية العالية. وهذا يعني أن مثل تلك الأعمال أفادت من تطورات تكنولوجيا المعلومات في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، وأن الاقتصاد شهد طفرة أولية في الإنتاجية. ومما يثير المزيد من الدهشة أن الباحثين يرون أن وجود هذه المؤسسات العملاقة قد يكون له تكلفة ديناميكية على المدى الطويل. فإذا كانت الأعمال الجديدة (مثل شركة بادئة جديدة في مجال تكنولوجيا المعلومات) تتوقع أنها ستواجه صعوبات في منافستها للمؤسسات القائمة التي تنتج على نطاق واسع (مثل أمازون أو مايكروسوفت أو غوغل)، فسوف تنكمش حوافزها لدخول السوق. ونتيجة لذلك، قد يتراجع النمو الكلي وتنخفض وتيرة الهدم الخلاق، وتستفيد الشركات القائمة من هذا الوضع عن طريق رفع نسبة الربح المضافة إلى التكلفة.
التغيرات في نشر المعرفة: هناك مسار بحثي مستقل يفيد بحدوث تغيرات في عملية نشر المعرفة بعدة طرق أساسية. وعلى وجه الخصوص، حسبما تذهب إليه هذه البحوث، فإن الشركات المتأخرة عن اللحاق بالركب التكنولوجي في العقود الأخيرة واجهت صعوبات أكبر في اعتماد تكنولوجيا الشركات المنافسة عند أقصى حدود الإنتاجية. وقد يكون لهذا التغير طابع تكنولوجي، فربما تكون الشركات مثل غوغل أو أبل قد بلغت مستويات متقدمة من التكنولوجيا لدرجة يستحيل ببساطة اعتمادها في الشركات الأصغر المنافِسة. وفي الوقت نفسه، قد تكون له أيضا أصول قانونية، نظرا لأن المؤسسات الكبيرة يتزايد انخراطها في تجميع براءات اختراع دفاعية لحماية ريادتها التكنولوجية عن طريق إنشاء حشد متداخل من براءات الاختراع. وتماشيا مع هذه الفرضية، فإن دراسة Ufuk Akcigit and Sina Ates 2023)) توثق حدوث ارتفاع كبير في تركز براءات الاختراع بين الشركات المرموقة وتشير في تقديراتها إلى أن التغيرات في مدى اعتماد التكنولوجيا يمكن أن تفسر أسباب تراجع الديناميكية، وتمتع المؤسسات القائمة بريع اقتصادي غير تنافسي، وهبوط نمو الإنتاجية.
تباطؤ النمو السكاني: وبينما يلاحظ أن تلك التفسيرات تربط التغيرات في الهدم الخلاق وتباطؤ نمو الإنتاجية بالتغيرات في البيئة التكنولوجية على نحو وثيق، فإن بعض الدراسات الأخيرة تقترح تفسيرا مختلفا كل الاختلاف. ويذهب هؤلاء الباحثون إلى أن التباطؤ في مكاسب الإنتاجية والتراجع في الديناميكية على السواء يعكسان تراجع النمو السكاني في الولايات المتحدة.
فقد انخفض معدل النمو السكاني في الولايات المتحدة منذ ستينات القرن الماضي وبلغ أدنى مستوى بالمعايير التاريخية في السنوات الأخيرة. وتعد فرضية انخفاض نمو الإنتاجية نتيجة انخفاض النمو السكاني السمة المميزة لمعظم نظريات التوسع الاقتصادي. وقد أوضحت أنا وزميلي كونور وولش في عام 2021 أن تباطؤ النمو السكاني يخفض أيضا وتيرة الهدم الخلاق وديناميكية الأعمال بالتسبب في انخفاض معدل دخول الأعمال الجديدة. وقد جمع باحثون آخرون أدلة تجريبية مباشرة على العلاقة بين النمو السكاني ومعدل تكوين منشآت الأعمال الجديدة وما ينتج عنهما من ديناميكية الأعمال.
تغيرات السياسات: وختاما، قد يتبادر إلى الأذهان أن كثيرا من التغيرات في السياسات يحتمل أن تكون وراء التراجع في تكوين منشآت الأعمال وبالتالي تراجع وتيرة النمو والهدم الخلاق والديناميكية. ومن الأمثلة عن ذلك التغيرات في التنظيم، مثل متطلبات الترخيص؛ وإعانات دعم البحث والتطوير التي تعود بالنفع على المؤسسات القائمة وليس الداخلين الجدد المحتملين؛ والتغيرات في ضرائب الشركات.
ورغم أن مثل تلك السياسات قد تبدو مهمة لصناعات معينة، فلا يرجح على ما يبدو أن يكون لها مبرر كبير على المستوى المجمل. فالبحوث الأخيرة توضح أن التغيرات الملحوظة في مثل تلك السياسات لا يمكن أن تعبر بالمعايير الكمية عن تباطؤ الإنتاجية وتراجع الديناميكية. والأهم من ذلك، أن ظاهرتي تباطؤ الإنتاجية وتراجع الديناميكية لا تقتصران على الولايات المتحدة؛ فقد حدثتا أيضا بدرجات متباينة في معظم الاقتصادات المتقدمة.
شفرة أوكام (Occam's razor)
مبدأ "شفرة أوكام" الذي يعود إلى القرن الرابع عشر - ويقضي بأن التفسير الأبسط هو الأرجح - يشير إلى ضرورة التركيز على التغيرات التي طرأت على المستوى العالمي بدلا من تغيرات السياسات ذات الصلة خصيصا بالولايات المتحدة. فتطور تكنولوجيا المعلومات المتقدمة والتراجع في النمو السكاني هما تفسيران ملائمان تماما في هذه الحالة والأرجح أن يكونا قد ساهما بدور مهم في هبوط ديناميكية الأعمال وتباطؤ نمو الإنتاجية.
وتبرز هذه التطورات كذلك إمكانات سياسات معينة لمكافحة تلك الاتجاهات العامة. وفيما يتعلق بالتغيرات في الخصائص الديمغرافية، فإن صناع السياسات حول العالم يدركون تماما حقيقة تزايد تكاليف شيخوخة السكان. وبينما تتركز المناقشات حول هذا الأمر غالبا على المشاغل المتعلقة بالاستدامة المالية، فإن العواقب الاقتصادية يمكن أن تصبح أكثر فداحة بكثير إذا أدى تراجع النمو السكاني بالفعل إلى تراجع نمو الإنتاجية. ونظرا للنجاح المحدود الذي حققته السياسات الرامية إلى وقف تراجع الخصوبة، فمن المرجح أن تكون رافعة السياسات الأساسية المتاحة في الأجل القصير إلى المتوسط هي سياسة الهجرة.
وفي المقابل، نجد أن خيارات السياسات المرتبطة بتداعيات طفرة تكنولوجيا المعلومات هي الأكثر وضوحا ويذهب الاعتقاد إلى أنها مرتبطة مباشرة بإنفاذ إجراءات مكافحة الاحتكار. فلو أن تكنولوجيا المعلومات تسببت بالفعل في زيادة التركز، مع ما لها من عواقب سلبية على نمو الإنتاجية، فإن أي زيادة في القوة السوقية سوف تضر بالمستهلكين، ليس فقط من خلال ارتفاع الأسعار، بل من خلال تباطؤ الابتكار والنمو أيضا. ولا شك أن هذا سيزيد الرهان على قانون التنافس لأن كيفية مكافحة تباطؤ النمو هي، بالمعنى الحرفي، قضية التريليون دولار بالنسبة لصناع السياسات.