وقد تنذر المسائل الخلافية حول الدعم الأخضر وتعريفة الكربون بنشأة صراعات يستعصي حلها على مفترق طرق تغير المناخ، والتجارة الدولية، والسياسة الصناعية، على مدار العقد الحالي. وكانت السيدة كريستالينا غورغييفا، مدير عام صندوق النقد الدولي، قد حذرت* بالفعل من الخوض في هذا الاتجاه العام، وحثت على "ضرورة توخي الدقة في تصميم استراتيجية الدعم الأخضر لتجنب الهدر في الإنفاق أو التوترات التجارية، ولضمان تقاسم التكنولوجيا مع بلدان العالم النامية".
وإذا استمر الزخم الحالي نحو الحمائية فمن الممكن أن ينحرف مسار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما من الاقتصادات نحو أسواق محاطة بأسوار عالية تحول دون سهولة انتشار التكنولوجيا النظيفة منخفضة التكلفة عبر الحدود، مما يزيد من صعوبة إزالة انبعاثات الكربون عالميا. وسوف تتفاقم حدة هذا الأمر نتيجة ضعف قدرة اقتصادات الأسواق الصاعدة على المنافسة في سباق التسلح بالدعم. وقد ينطوي السيناريو الأسوأ على حدوث طوفان جارف من التعامل بمبدأ "العين بالعين" على مستوى منظمة التجارة العالمية وفرض تعريفة جمركية ثأرية تتسبب في تشتت سوق التكنولوجيا النظيفة العالمية وتكبح سرعة تقدم العمل المناخي.
تنسيق السياسات الصناعية الخضراء
إن نجاح هذه الجهود - بحيث يكون بوسع سياسات مثل "قانون خفض التضخم" و"الترتيب العالمي بشأن الصلب والألومنيوم المستدامين"، في الولايات المتحدة، و"قانون الصناعة ذات الانبعاثات الصفرية الصافية" و"نظام تداول الانبعاثات" و"آلية تعديل ضريبة الكربون الحدودية"، في الاتحاد الأوروبي، العمل على تسريع وتيرة الاستثمارات النظيفة في مختلف الأسواق بدون تشجيع تشرذم التجارة الدولية - سوف يتوقف على كيفية قيام الشركاء التجاريين للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بصياغة استجاباتهم وكيفية استجابة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لمخاوف هؤلاء الشركاء. وبدلا من ذلك، فإن الاستثمار المنسق مع زيادة التعاون في سلاسل الإمدادات يمكن أن يخلق بيئة مواتية مع الشركاء التجاريين والحلفاء لتحفيز التقدم المناخي. وسوف يكون من الضروري التفاوض بشأن قواعد شاملة للمضي على درب السياسة الصناعية التي تركز على قضايا المناخ بغية تجنب الدخول في حلقة مفرغة من التدابير الحمائية التي ترفع التكلفة الجماعية لعملية إزالة انبعاثات الكربون أو تتسبب في إبطاء وتيرتها. وبينما لا تزال بوادر الصراع تلوح في الأفق، فإن المؤشرات المبكرة تبشر بالخير، في ظل سعي قادة الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي للتوصل إلى حل وسط، إلى جانب قيام الخزانة الأمريكية بتفسير قواعد سلسلة الإمدادات في قانون خفض التقدم على نحو متحرر حتى الآن*. وكان الرئيس بايدن والسيدة أورسولا فون دير لاين، رئيس المفوضية الأوروبية، قد أكدا مجددا التزامهما بالتصدي للمخاوف بشأن "قانون خفض التضخم" و"آلية تعديل ضريبة الكربون الحدودية"، لدى لقائهما في واشنطن في شهر مارس.
وكانت إدارة الرئيس بايدن، في سياق تعاطفها مع مخاوف شركائها التجاريين بشأن شروط التعهيد الداخلي، قد حاولت تنفيذ بعض أجزاء قانون خفض التضخم على نحو يتسم بالمرونة، بحيث توسعت في تعريف "اتفاقية التجارة الحرة" لتشمل اتفاقيات المعادن الحيوية مع اليابان ومن الأرجح أن تشمل الاتحاد الأوروبي قريبا. ومع ذلك، فإن شروط المحتوى المحلي ليست سوى عنصر واحد من عدة عناصر خلافية. وعلاوة على ذلك، فإن عقد صفقات لمرة واحدة بشأن المعادن الحيوية لا يمثل بديلا للتنسيق الشامل بشأن قضايا المناخ والتجارة - وخاصة إذا لم يحصل على الامتيازات سوى البلدان الأعلى صوتا والأكثر ثراء.
ومن الضروري تحديث مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية والدخول في اتفاق مباشر على شاكلة نادٍ للمناخ، وربما البدء بقطاع الحديد الصلب. فمنظمة التجارة العالمية، في وضعها الراهن، تعاني من ضعف استعداداتها على نحو يرثى له فلا تستطيع أن تحقق التوازن بين السياسات الصناعية الوطنية التي تركز على قضايا المناخ وعواقبها الوخيمة على العلاقات التجارية.
أولا، على الأطراف المعنية في منظمة التجارة العالمية التوصل إلى السبل الكفيلة لتحديث المنظمة بحيث تواكب العصر، وإلا سيأتي الوقت الذي تتجاهلها فيه البلدان الرئيسية تماما. وبعبارة أخرى، لا بد لقواعد التجارة الدولية أن تخلق الحيز لاستيعاب تعريفة الكربون، وأحكام التعهيد الأخضر المحدودة، وغير ذلك من جداول أعمال السياسات. وبدون هذه السياسات، قد يتعذر على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحقيق أهدافهما. وعلى وجه الخصوص، يمكن لمنظمة التجارة العالمية مواءمة القواعد المعنية بتعهيد الإمدادات محليا مع عنصر واضح مرتبط بالبيئة على أساس "المادة العشرون بشأن الاستثناءات العامة*" - التي تحدد الظروف التي قد تعفي البلدان الأعضاء في منظمة التجارة العالمية من الالتزام بقواعد التجارة الدولية - وإعادة توجيه الجهود نحو اتفاق شامل حول السلع البيئية يخفض الحواجز التجارية أمام تكنولوجيا الطاقة النظيفة. وتتسم الأحكام المتعلقة بالبيئة في المادة العشرين التي تمت الموافقة عليها منذ قرابة 30 عاما في عام 1994 بأنها مبهمة وبعيدة كل البعد عن الحاجة الملحة الحالية الناشئة عن أزمة المناخ العالمية. وبإمكان منظمة التجارة العالمية الاعتراف بأن برامج الإنفاق لدعم التكنولوجيات الابتكارية الناشئة هي جزء مشروع من مجموعة أدوات السياسة. ومن المحتمل عدم اكتساب هذه التكنولوجيات الطابع التجاري بدون الدعم المقدم من الحكومة، ولا يرجح أن تكون الحكومات قادرة على تحمل تكلفة مثل هذه الاستثمارات الكبيرة المحفوفة بالمخاطر بدون تفضيل الشركات الوطنية والوظائف المحلية.
ولا شك أن الدعم المقترن بمتطلبات المحتوى المحلي قد يرفع تكلفة إزالة انبعاثات الكربون مقارنة بمسار مردودية التكاليف الافتراضي مع التجارة الحرة بلا قيود، ولكن هذا المنهج تسبب في ردود أفعال سياسية في جميع أنحاء العالم وثبط عزيمة الحكومات - بدلا من تعزيزها - لبذل الجهود المناخية. وقد يتطلب تحفيز الجهود الحكومية السريعة، التي باتت ضرورية في ظل تناقص ميزانية الكربون، التضحية ببعض جوانب الكفاءة الاقتصادية.
ثانيا، ينبغي أن تعمل مجموعة السبعة، التي وافقت على إنشاء نادي المناخ في ظل الرئاسة الألمانية للمجموعة في العام الماضي، على توفير محفل للتوصل إلى اتفاق حول إنشاء نوادٍ مناخية لمساندة تعميق إزالة انبعاثات الكربون في قطاعات الصناعات الثقيلة كثيفة الانبعاثات. وتباع منتجات هذه القطاعات (كالصلب) في أسواق متجانسة لا تميز الأصناف الأكثر خضرة، وهي معرضة بدرجة كبيرة لمخاطر التجارة الدولية، كما أن منشآتها وقوتها العاملة كائنة غالبا في مناطق تعاني بالفعل من الأزمات. وسوف يستحيل تقريبا تجنب الاستعانة بالدعم المحلي الذي يحفز إضفاء الطابع التجاري على أصناف المنتجات الأنظف وخلق أسواق تشكل نقطة انطلاق لها. ومع ذلك، ينبغي أن تركز هذه الجهود أيضا على توجيه التمويل بالشروط الميسرة والمساعدة في مجال التكنولوجيا إلى الاقتصادات النامية نظرا لأنها ستكون محرك نمو الانبعاثات في العقود القادمة، وخاصة في القطاعات الصناعية المذكورة أعلاه. فمن خلال إقامة شراكات مع الاقتصادات النامية، وخاصة الاقتصادات التي تتمتع بإمكانات الطاقة المتجددة غير المكلفة والمعادن الحيوية، لمساعدتها على تطوير سلاسل إمداداتها العالمية في البداية يمكن أن يعطيها دفعة للارتقاء في مراتب سلسلة القيمة في مجال الصناعة التحويلية لتكنولوجيا الطاقة النظيفة. وسوف يحول ذلك دون اعتماد سلسلة الإمدادات في المستقبل على بلد واحد أو منطقة واحدة. وعلى إيطاليا، التي تتولى رئاسة مجموعة السبعة في الدورة القادمة، وغيرها من أعضاء مجموعة السبعة الرئيسيين البدء في العمل الآن لإعداد اتفاقية عمل مؤقتة بشأن التجارة في السلع كثيفة الانبعاثات تلبي احتياجات كل الأطراف - مع مشاركة نشطة من الاقتصادات النامية في الوضع الأمثل.
وتتمثل نقطة البداية في السياسات الصناعية الخضراء الناشئة. وسوف تحدد قرارات صناع السياسات اليوم مسار هذه السياسات في نهاية المطاف. وعلى سبيل المثال، نجد أن قدرة قانون خفض التضخم على تحقيق كامل إمكاناته متوقفة على عدة نقاط انعطاف، منها إلغاء القيود على انتقال الآثار، والعمالة، ومدخلات إنتاج السلع الأولية. وبالمثل، نجد أن الاستجابات الدولية سوف تسهم في صياغة تأثيره العالمي وتأثير "قانون الصناعة ذات الانبعاثات الصفرية الصافية" و"نظام تداول الانبعاثات" و"آلية تعديل ضريبة الكربون الحدودية"، في الاتحاد الأوروبي، وغيرها من السياسات المستقبلية. وتمثل المنافسة الاقتصادية والمصلحة الذاتية الوطنية محركين مؤثرين للعمل المناخي، ولكن ممارسة هذا النفوذ تتطلب التزاما وحدا أدنى من التعاون. ومع خوض هذه التوترات اليوم سوف نتمكن من تحديد ما إذا كانت هذه الدورة بمثابة سباق حميد نحو القمة أم دوامة خبيثة نحو القاع.
* بالانجليزية