تركيز جديد على مصادر الطاقة المتجددة
هاجم النقاد الاقتصادات المتقدمة في أوروبا بسبب السياسات المسماة "ليس في عقر داري" والمتمثلة في الاعتماد على الاقتصادات النامية للقيام بالعمل الكريه المتمثل في إنتاج الوقود الأحفوري واستخراج المعادن الضرورية لأغراض التحول في نظام الطاقة. وبالإضافة إلى المخاطر المناخية والبيئية، تواجه البلدان الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط وبقية البلدان الإفريقية خطر تركها وراء الركب بمجرد أن تحل أوروبا قضايا أمن الطاقة. إن التركز الاقتصادي حول الوقود الأحفوري والاستثمارات الرأسمالية المرتبطة به يعرِّض هذه البلدان لمخاطر الأصول المحبوسة أو مخاطر فرض قيود صارمة على تجارة الوقود الأحفوري.
وقد قطع الاتحاد الأوروبي خطوات واسعة نحو دفع التحول في نظام الطاقة. وزادت الاستثمارات في الطاقة المتجددة زيادة سريعة، لكن السباق نحو إيجاد بديل للطاقة القادمة من روسيا أوضح أيضا مدى صعوبة زيادة مصادر الطاقة المتجددة وغيرها من مصادر طاقة أنظف بسرعة. ومع ذلك، كان الانخفاض الهائل في تكلفة إنتاج الطاقة المتجددة أحد العوامل المحركة الأساسية وراء هذه الاستثمارات.
أما البلدان الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط فستواجه تحديات اقتصادية كلية ومالية أكبر في التحول في نظام الطاقة، وهو ما يرجع جزئيا إلى الارتفاع النسبي في تكلفة رأس المال. وقد حققت بعض هذه البلدان تقدما نحو الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وتعمل مصر والمغرب على زيادة مصادر الطاقة المتجددة. فقد قام المغرب ببناء مجمع نور-ورزازات، وهو أكبر محطة للطاقة الشمسية المكثفة في العالم، على مساحة 3 آلاف هكتار. وتستعد بلدان أخرى، مثل الجزائر وموريتانيا، لإقامة مشروعات كبرى للطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وهذه الأيام، أصبح الهيدروجين في بؤرة اهتمام منطقة البحر المتوسط. فمن المؤكد أنه يعد العنصر الأكثر وفرة في الكون، ويوفر مصدرا نظيفا للطاقة، ويمكن أن يأتي من مجموعة متنوعة من المصادر. ويتم إنتاج "الهيدروجين الرمادي" من الغاز الطبيعي، ولكن بدون حبس الكربون وتخزينه. وعند إضافة تكنولوجيا حبس الكربون وتخزينه، يُطلق عليه "الهيدروجين الأزرق"، لكن تكلفته تكون أعلى. ويتم إنتاج "الهيدروجين الأخضر" باستخدام الطاقة النووية أو الكتلة الحيوية أو الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، غير أن تكلفته لا تزال مرتفعة نسبيا.
ويتصاعد الحماس تجاه الهيدروجين الأخضر. فهناك مشروعات تتكلف مليارات الدولارات قيد الدراسة في موريتانيا والجزائر ومصر وبلدان أخرى. وقام أحد المطورين الألمان وموريتانيا بتوقيع مذكرة تفاهم مع تحالف لإقامة مشروع قيمته 34 مليار دولار بطاقة إنتاجية تبلغ 8 ملايين طن سنويا من الهيدروجين الأخضر والمنتجات ذات الصلة.
ويمكن أن تساعد مشروعات الهيدروجين في الحفاظ على تدفق الطاقة من البلدان الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط إلى البلدان الواقعة على الحدود الشمالية. ويجري تطوير البنية التحتية لنقل الهيدروجين بالفعل، رغم أن المشروعات تركز حتى الآن على السوق داخل أوروبا. وهناك جانب كبير من استثمارات الهيدروجين المرتقبة قد ينتهي بها المطاف في أوروبا حيث تستعد إيطاليا وإسبانيا لتصبحا من كبار البلدان المنتجة. ووقعت البرتغال وإسبانيا وفرنسا وألمانيا اتفاقية لإنشاء خط أنابيب عبر البحر المتوسط يوفر 10% من احتياجات الاتحاد الأوروبي من الهيدروجين بحلول عام 2030. كذلك وقعت وزارات الطاقة في إيطاليا وألمانيا والنمسا خطاب دعم لتطوير خط أنابيب جاهز للهيدروجين بين شمال إفريقيا وأوروبا بمشاركة مشغل شبكة الغاز في إيطاليا.
وقد تكون لهذه الاستثمارات الضخمة انعكاسات اقتصادية كلية مهمة، لا سيما بالنسبة للاقتصادات الأصغر حجما والأقل تنوعا الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط. وستشمل التحديات ارتفاع سعر الصرف وتقلبات الحساب الجاري من عجز إلى فائض. وسيتعين على صناع السياسات أيضا المضي قدما بحذر بسبب الالتزامات الاحتمالية المرتبطة بالمشروعات الكبرى، مثل الفشل أو ترك الموقع.
ورغم أن التحول في البيئة الجغرافية-السياسية الذي تسارعت وتيرته بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا يعزز تكامل الطاقة عبر البحر المتوسط، فإن الدفعة الجديدة للسياسة الصناعية والسيادة الاقتصادية في أوروبا تعمل على الحد من التكامل، وهي مخاطر جديدة سيتعين على بلدان شمال إفريقيا مواجهتها، وتشير إلى الحاجة إلى زيادة الاهتمام بمعالجة القضايا المحلية.
القضايا المحلية
تبشر مشروعات الهيدروجين الكبرى بتوليد إيرادات يمكن أن تساعد في تلبية احتياجات مواطني البلدان الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط. ومن المؤكد أن الحصول على طاقة وفيرة يمكن التعويل عليها يشكل حجر زواية للاقتصادات الصناعية. ومع ذلك، إذا كان في التاريخ ما يمكن الاسترشاد به، فإن وفرة الطاقة وحدها لا تكفي لتحقيق التنمية الاقتصادية. فالبلدان الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط لديها الكثير من الأمور التي يتعين التعامل معها، كما أن التماسك الاجتماعي في هذه البلدان معرض للخطر. ويتعين على السلطات استعادة ثقة شبابها ومعالجة المشكلات المحلية التي استمرت لفترة طويلة، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو إقليمية. إن الإحباط الذي يعاني منه الشباب في البلدان الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط يدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم بعبور البحر المتوسط، مما يشير إلى انتشار هذه المشكلات.
وهناك، بالطبع، اختلافات كبيرة بين البلدان المصدرة والمستوردة للنفط الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط. فقد قامت البلدان المستوردة للنفط، مثل المغرب ومصر، بإصلاح أو إلغاء دعم الوقود أو الضوابط السعرية وصاحب ذلك اتخاذ تدابير لتخفيف الآثار على الأسر الفقيرة، مثل التحويلات النقدية أو العينية. أما البلدان المصدرة للنفط، مثل الجزائر وليبيا، فقد التزمت غالبا بالدعم رغم تكاليفه الاقتصادية والبيئية المرتفعة. وفي الاقتصادات التي تفرض درجة محدودة من المساءلة السياسية، يعكس ذلك عقدا اجتماعيا دائما يقبل المواطنون الدعم بموجبه ويغضون الطرف عن استيلاء النخب السياسية والاقتصادية على الإيرادات الناتجة عن الوقود الأحفوري والناتجة، على الأرجح، الآن عن الهيدروجين.
ولا تزال مستويات عدم الثقة في الحكومة والتصورات الشائعة عن الفساد مرتفعة في البلدان الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط. وينشأ الافتقار إلى الفرص الاقتصادية من عدم وجود قطاع خاص ديناميكي. ومعدلات البطالة أعلى بين الأفراد الأوفر حظا من التعليم مقارنة بأولئك الأقل حظا. وفي كثير من هذه البلدان، يؤدي إرث الاقتصاد الذي تديره الدولة مع الشركات الكبيرة المملوكة للحكومة إلى مزاحمة منشآت الأعمال المستقلة وخلق الظروف االتي تسمح بوجود اقتصاد مواز غير رسمي.
ولطالما ساندت البنوك المملوكة للدولة تدفقات الأموال الغامضة التي تدعم الشركات المملوكة للدولة وتحد من المنافسة العادلة. وبالنسبة للبلدان التي تكون فيها بصمة الدولة أقل تأثيرا، هناك قطاع خاص تسوده المحسوبية يستحوذ عادة على الثروة، مما يؤدي إلى تشويه المنافسة. وهناك الملايين من الشباب الذين تُركوا وراء الركب سواء في الأنظمة التي تهيمن عليها الشركات المملوكة للدولة أو القطاع الخاص الذي تربطه علاقات وثيقة بالحكومة. وفي الحالتين، يؤدي تصور الفساد واستشراء عدم المساواة إلى تقويض التماسك الاجتماعي بشكل خطير.
وقد تسهم صادرات الهيدروجين المحتملة في تحسين أرصدة الأموال الخارجية. ولكنها قد تعزز أيضا أنشطة السعي للكسب الريعي بما يلحق الضرر بالجوانب الأخرى لاقتصاد البلد المعني. ولتجنب تكرار أخطاء الماضي، يجب على القطاع إظهار أقصى درجات الشفافية للحد من الفساد.
كذلك لا ينبغي للسلطات محاولة تعظيم الإيرادات التي تحققها من إنتاج الهيدروجين فحسب، بل أيضا المنافع التي تعود على المواطنين، بما في ذلك سياسات التوطين. فقطاع الطاقة الموجه نحو التصدير لن يوفر أنواع الوظائف التي ستكون مطلوبة للشباب، الذين يمثلون غالبية السكان في البلدان الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط.
لذلك، من المهم إجراء إصلاحات تتجاوز قطاع الطاقة. فإعادة الهيكلة يجب أن تكون على نطاق أوسع وأن تهدف إلى إزالة الحواجز أمام خلق وظائف لائقة للشباب. ومن شأن ذلك أن يساعد في معالجة شعورهم المتزايد بالإحباط. لكن إجراء هذه التغييرات في سياق انعدام الثقة على نطاق واسع ليس بالأمر السهل.
ويمكن أن يؤدي تتابع الإصلاحات إلى بناء الثقة. وباختصار، يجب أن تبدأ التغييرات بالنخب السياسية والإدارية ورفاقها المقربين "لكي يصدق الفعل القول" قبل إجراء تغييرات تؤثر على قطاعات أكبر من السكان. وتحديدا، سيساعد ذلك على التخلص من دعم الشركات الناشئ من احتكارات الاستيراد، كما سيساعد بشكل أعم على تشجيع المنافسة العادلة من خلال الحد من إساءة استخدام المراكز المهيمنة من جانب الشركات المملوكة للدولة أو المحسوبية. وبالإضافة إلى زيادة الشفافية في قطاع الطاقة، فإن استخدام الطاقة الشمسية الموزعة سيجعل التمييز بين المستهلكين والمنتجين أقل وضوحا. وذلك قد يجعل المواطنين أكثر تقبلا لتطور أسعار السوق. وعندئذ فقط يمكن جني ثمار إعادة هيكلة سوق العمل واستقرار سعر الصرف.
وقد وصل التعاون الإقليمي بين البلدان الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط إلى أدنى مستوياته على الإطلاق. ومن شأن إحياء التعاون أن يساعد في إنشاء سوق أكبر وأكثر جاذبية للاستثمار الجديد، على غرار تطوير الاتحاد الأوروبي. ويمكن أن يساعد تضافر بلدان شمال إفريقيا على إعادة التفاوض بشأن اتفاقات تجارية أفضل مع شركاء الاتحاد الأوروبي وغيرهم.
وبدلا من التعلق بوهم تحصيل الريوع المحتمل تحقيقها من صادرات الهيدروجين، ينبغي لقادة البلدان الواقعة على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط إيلاء اهتمام أكبر لبناء الثقة في الداخل وتوفير فرص العمل للشباب الذين يعربون عن آرائهم بأفعالهم على حساب حياتهم.